يحدث في كثير من الأحيان أن تذهب إلى مكان، أو تستمع إلى قصة عن موقف ما، خاصة إذا ما كان سيئاً، فتجد على الفور من يسألك: "ما هي هويتهم؟ ومن أي دولة هم؟ وما هي عرقيتهم؟"، ثم يضع الشخص ذلك التصرف في سجله فيما يخص هذه الجماعة.. ولذلك في كل مرة تسمع فيها عن هذه الجماعة، يجول في ذهنك تاريخهم ومساوئهم.. وهذا الشيء أصبح بطريقة آلية في عقولنا حتى أننا لا نكاد نقف برهة لنتأكد من المعلومة أو التصنيف.. فهذه الجماعة قذرة، وأولئك لا ذوق لهم، وهذه الأخرى عنصرية وبدائية، وهؤلاء البخل فيهم من طفلهم وإلى سابع جدّهم.. وغيرها من التقسيمات التي نسمعها بين الحين والآخر على السنة الناس..
وأذكر أني حين كنت صغيراً لم أكن أعرف هذه الأمور، لكني كنت أسمع عنها ممن هم حولي، وتربيت في البيت والمدرسة والبيئة على أساس هوية واحدة، وهي الهوية الإسلامية، وكل ما عدا ذلك كان غائبا عني، حتى أني لم أكن أفرق بين مقيم ومواطن في المكان الذي تواجدت فيه، وكنت اعتقد بأن هذه الهوية هي التي تجمع المسلمين في أنحاء المعمورة.. وأن ما يهمني، على سبيل المثال –كالقدس-، يهمّ كل مسلم في كل بقاع الأرض.. وبعد أن كبرت أدركت غير هذا، وأن الأمر محض تنظير.. ووجدت نفسي تائهاً أبحث عن هوية..
اكتشفت في حياتي أن الإنسان فينا، في كثير من الأحيان، لا يختار هويته، بل يجد هويته مصنوعة سلفاً، ويشبه إلى حد ما، فتى ألبسوه حالما كبر رداء، وهذا الرداء يحمل في طياته هوية المجتمع، وعاداته وتقاليده وخرافاته وصراعاته وأمراضه وتعقيداته والدماء التي سالت منذ قدم الزمان، وصار لزاما عليه أن يحمل سيفا ليُصارع الأعداء التاريخين من الطرف الآخر، والذين هم على نفس الشاكلة في قتال ضده، وليسوا بملمّين بما حدث في الماضي من صراعات ولم يكن لهم يد فيها..
فالوطنية تحتّم عليك أن تضع دولتك أولا، بغض النظر عن موافقتك للموقف أو لا، واللعنة عليك إن كنت خائناً ومخالفاً لها.. والولاء والبراء في الدين يجعلك تنسى كون من على عقيدة مخالفة، إنسانا مثلك، ويُحتم عليك محاربتهم والنيل منهم والدعاء عليهم.. والعرقية تقول لك بأن الأعراق الأخرى قذرة ومُحتقرة ولا تحمل مزاياك وعرقك المقدس، ويجب عليك الترفع عنهم، ولا مانع من امتهان كرامتهم وإذلالهم.. والعائلة تفرض عليك الاعتزال ومخالطة أهلك فقط، وتفضيلهم عمّن هم حولك، والاستئثار بالمناصب العُليا والمنفعة..
إن مشكلة الناس وصراعاتهم في هذه الحياة ناشئة، في كثير من الأحيان، من صراع الهويات هذا، وهذه تراها أوضح ما تكون في ظل هذه الثورات المنتشرة في هذه الأيام.. لأن الناس تتقلب بين أولوياتها في الهوية بسرعة كبيرة ومتداخلة، بصورة






















