كنت جالسا بهدوء في ذلك المكان أتناول طعام العشاء، بينما ذلك الشاب يتحدث أمامي بحماسة، وكان يذكر لي وقتها وحدة الأمة ورسالة الإسلام والمساواة، وأننا يجب أن نكون يدا واحدة تنبذ التفرقة والعنصرية، وزاد على ذلك أمثلة من مؤاخاة الأنصار والمهاجرين والمسلمين من غير العرب من أمثال بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي رضي الله عنهم، وأنا استمع إليه في صمت.. وكنت أعلم أنه في بلد ذلك الشاب يتعامل الناس بصورة مخالفة لهذا المفهوم مع بعضهم البعض، وبينهم صراع وفرقة وعنصرية، فما كان مني إلا أن سألته إن كان سيُزوّج أخته أو ابنته لرجل صالح من تلك الجماعة؟! ففهم مراد كلامي وسكت، فنظرت إليه بابتسامة ولم أتحدث، وأنهيت طعامي في هدوء، فلم يعد هنالك داع للكلام..
إن بعض الناس يستحقون بجدارة لقب "بائعو كلام"، وبائعو الكلام هم أشخاص منظّرون لو استمعت إليهم لظننت حقا من فرط حماستهم أنهم يؤمنون بما يقولون، لكنهم ليسوا كذلك، فأفعالهم تُكذّب أقولهم، وكثيرون هم على هذه الشاكلة، حتى أني توقفت عن الاستماع إلى الناس ومكثت أنظر إلى أفعالهم، فهي أبلغ منها وأجدر..
إن في الكلمات سر عجيب لا أفهمه، فهي في بعض الأحيان تعطيك نشوة الفعل حتى تظن ألكلام، فعلا، حقق لك نتيجة الفعل، وتصبح هي العملة الرسمية المتداولة في زمن إفلاس العمل.. فبعض الناس كما ذكر الرافعي في مقالته الشهيرة، "يا شباب العرب": (فإذا هزئوا بالعدو في كلمة، فكأنما هزموه في معركة).. ولذلك تجد أننا دائما ما نتفنن في الكلام والسخرية في كتاباتنا وأفلامنا وأفعالنا، وننعت العدو بأبشع الصفات، ثم نستلقي على الأريكة ولا نقوم بشيء.. فنحن نشعر وقتها وكأننا خضنا النزال وانتصرنا ومزقنا العدو شر ممزق، وها هو محطّم أمامنا يستجدي رحمتنا.. وقد نتلقى التهاني والتبريكات من المحيطين، بأننا أبدعنا وأفحمنا العدو ومسحنا به البلاط كما يُقال، ونصبح أبطالا قوميين بسلاح اللسان.. وقد ذكر أحد الكُتاب أن هذه المشكلة تعود إلى عقلية المُبالغة وصيغها في اللغة، بحيث تجعلك تشعر بنشوة الفعل بينما أنت لم تقم بشيء..
ولذلك أصبحنا امة كلام، بداية من الأب في البيت وتهديده الأولاد بالضرب، زارعا بذلك الرهبة في قلوبهم والاحترام، ومرورا بكيل الشتائم والتهديدات التي نقولها لمن نتخاصم معه من غير أن نرفع أيدينا، ونهاية بالحاكم الذي يمطرنا بالكلمات الرنانة التي يعج






















